الخميس، 5 مايو، 2011

اللغز المحير، بن لادن: مات... لم يمت!



الخميس 5 أيار (مايو) 2011
حروب تُخاض، وملايين تُقتل وتشرّد أثناء الحرب على تنظيمه، ووعود وحوافز تُعطى لإلقاء القبض عليه، بحيث رصدت الإدارة الأميركية مبلغ 25 مليون دولار بعد أحداث 11 أيلول 2001 لكل من يعطي معلومات تؤدّي إلى اعتقال بن لادن أو قتله، ثم ضاعفت هذا المبلغ في تموز 2007. كلّ ذلك لم يؤدّ إلى جزم مصير «العدو»، وما إذا كان حيّاً أو ميتاً.
حكاية موت بن لادن وحياته يلفّها الغموض؛ فالتقارير الإعلامية التي تتحدث عن وفاته وصحته البدنية العليلة تعود إلى ما قبل اعتداءات 11 أيلول، لكن ما يُثير الريبة هو استهتار وكالة الاستخبارات الأميركية بكل المؤشرات التي تؤكد وفاته. لقد فُقد أثر بن لادن منذ اجتياح أفغانستان عام 2001. يُقال إنه كان في معركة تورا بورا، بحسب مصادر مدنية وعسكرية موثوق بها. ولكن فشل القوات الأميركية الميدانية في القبض عليه خلال المعارك عُدّ الفشل الاستراتيجي الأكبر في الحرب الأميركية على الإرهاب.
وذكرت «واشنطن بوست» أن الوحدة التابعة للاستخبارات والمكلّفة ملاحقة بن لادن أُوقفت عن العمل في أواخر 2005. وفي منتصف آب 2007، قامت قوات مشتركة أميركية وأفغانية باجتياح كهوف تورا بورا، بعد معلومات استخبارية تفيد أن قادة «القاعدة» عقدوا اجتماعاً قبل شهر رمضان في المنطقة. وبعد سقوط عشرات المقاتلين من «طالبان»، لم يجدوا لا بن لادن ولا نائبه أيمن الظواهري.
أما عن أكثر المناطق المحتملة التي يمكن أن يكون فيها بن لادن، فهي المناطق القبلية الباكستانية، حيث تخوض اليوم القوات الباكستانية معارك شرسة ضد «طالبان». وتقول رسالة وقّعها أحد زعماء «القاعدة»، الليبي عطية عبد الرحمن، ووجّهها إلى الزعيم السابق لـ«القاعدة» في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، في 11 كانون الأول 2005، إن بن لادن وقيادة «القاعدة» في وزيرستان: «ابعث رسلك إلى وزيرستان كي يلتقوا أخوانهم من القادة. أنا الآن في زيارة لهم، وأكتب لك هذه الرسالة وأنا معهم». ويشير إلى أن بن لادن و«القاعدة» لديهما الكثير من المشاكل الخاصة بهما.
وتوصّل فريق للأبحاث من جامعة كاليفورنيا، برئاسة توماس جيليبسي وجون أكنو، عبر استخدام تحليلات جغرافية وصور الأقمار الاصطناعية في 2009، إلى تحديد ثلاثة مواقع في عاصمة المقاطعة الشمالية الغربية في باكستان، براتشينار، يمكن أن يكون بن لادن فيها.
وفضلاً عن أحجية مكان «الزعيم»، هناك أحجية أشد تعقيداً؛ ميت أم حي؟ تضاربت الأنباء، رغم أن وكالة الاستخبارات رفضت حسم الأمر. في كانون الأول 2001، أجرت «فوكس نيوز» مقابلة مع مصدر «طالباني» ادعى أنه حضر جنازة بن لادن بمشاركة نحو 30 من معاونيه. وسبب الوفاة ناجم عن التهاب رئوي. قصة مماثلة روّجتها «نيويورك تايمز» في 2002 استناداً إلى روايات شهود بأن «الزعيم» مات نتيجة التهاب كلويّ.
ونقلت صحيفة «سيدني مورنينغ هيرالد» الأوستراليّة في نيسان 2005 عن مدير الدراسات الإرهابية في جامعة أوستراليا الوطنية، كليف وليامز، قوله إن وثائق قدمها إليه زميل هندي ترجّح أن بن لادن توفي إثر فشل كلوي في نيسان 2004.
وقال «من الصعب إثبات هذه المعلومات أو دحضها لأنه لم يتوافر دليل يسمح بإصدار حكم نهائي». ثم أوردت بعدها صحيفة «لا ريبوبليك» الفرنسية تقريراً من الاستخبارات الفرنسية يقول إن «بن لادن مات في باكستان في 23 آب 2006، إثر إصابته بحمّى التيفوئيد التي شلّت مفاصله السفلى، وكانت الاستخبارات السعودية أول العالمين بهذا الأمر، وأطلعت حكومتها عليه، وهي بدورها نقلت الخبر إلى الحكومة الفرنسية». وأعربت وزيرة الدفاع الفرنسية آنذاك، ميشيل آليوت ماري، عن أسفها بسبب نشر التقرير، فيما قال الرئيس السابق جاك شيراك إن موت بن لادن غير مؤكد. وكانت حينها تصريحات المسؤولين الأميركيين مماثلة «لا تعليق، لا نعرف».
لكن التقارير لم تهدأ، وقالت مصادر سعودية إن استخبارات بلادها كانت تعلم بأن بن لادن مصاب بمرض ينتقل عن طريق المياه، لكنها لم تسمع بأي تقارير تقول إنه حمى تيفوئيد، أو أنه قد مات بالفعل.
وكانت زلّة اللسان الشهيرة لرئيسة الحكومة الباكستانية الراحلة، بنازير بوتو، خلال مقابلة على شبكة «سي أن أن» مع دايفيد فروست في تشرين الثاني 2007، قد أفادت أن زعيم «القاعدة» قُتل على يد أحد معاونيه، عمر الشيخ، وذلك في ردّها على من تتهمهم بمحاولات اغتيالها. قالت حينها إن «عمر الشيخ هو الرجل الذي قتل بن لادن». زلة حاول البعض التقليل من أهميتها على اعتبار ان بوتو أخطأت في التعبير، وكانت تريد أن تقول الذي قتل الصحافي دانيال بيرل لا بن لادن. ويُحكى عن سابقة ثانية داخل التنظيم تتعلق بقتل أيمن الظواهري لمعلم بن لادن، الشيخ عبد الله عزام.
وزلّة بوتو لها ما يبرّرها، إذ إن أحمد عمر سعيد الشيخ (36 عاماً)، الملقّب بمصطفى محمد أحمد، هو بريطاني من أصول باكستانية. اعتُقل في باكستان عام 2002 وحُكم عليه بالإعدام، لكن الحكم لم ينفّذ بعد، يُقال إن ذلك بسبب علاقاته بالاستخبارات الباكستانية.
إضافةً إلى خطفه وقتله صحافيّ «وول ستريت جورنال»، فإن الشيخ قام بعمليات خطيرة، كخطف السيّاح الهنود في 1994، التي وُضع على أثرها في السجن حتى 1999، قبل أن يخرج نتيجة عملية تبادل مع ركاب طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية اختطفتها «طالبان».
قال الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف، في كتابه «على خط النار»، إن الشيخ جنّدته الاستخبارات البريطانية «أم آي 6»، عندما كان يدرس في جامعة لندن للاقتصاد. وادّعى أن «أم آي 6» أرسلته إلى البلقان من أجل الانضمام إلى المجاهدين، وأشار لاحقاً إلى أن الشيخ «في لحظة معيّنة، ربما تحوّل إلى مارق أو عميل مزدوج».
وبالعودة إلى مصير بن لادن، يجادل البروفسور في جامعة بوسطن، أنجيلو كوديفيلا، في مقال نشرته «ذا أميركان سبكاتيتور»، بأن بن لادن مات منذ سنوات. ويقول إن «الفيس بريسلي حيّ أكثر منه، ولكن أقنعوا وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بذلك».
ويقول كوديفيلا إن «الدلائل السلبية» فقط تؤكد أن بن لادن توفّي منذ فترة طويلة، ويشير إلى أنه منذ حاوره مذيع «الجزيرة»، تيسير علوني، في تشرين الأول 2001 لم يره أو يؤكد وجوده أي شخص محترم. ويضيف إن الأشرطة المسجلة التي يظهر فيها بن لادن، لا تشبهه، تارة يظهر بأنف كبير، وتارة أخرى بأنف أصغر، إضافة إلى لحيته وشيبها.
حتى إنه يرى أن الصوت المسجل لا يشبه صوت بن لادن، مستدلّاً بأن المعهد السويسري للذكاء الاصطناعي في 2007، قارن بين 15 تسجيلاً لبن لادن وبين تسجيل مؤكّد له تبيّن أن جميعها تختلف عن الأصليّة باستثناء تسجيل واحد كان رمادياً.
أما الـ«سي آي إيه» فوجدتها جميعاً متناسبة. ويستدلّ كوديفيلا أيضاً في مقاله بما أورده البروفسور بروس لورنس، الذي يرأس برنامج الدراسات الدينية في جامعة دوك الأميركيّة، في كتاب عن أن اللغة العلمانية لرسائل بن لادن لا تتوافق مع فكره الوهابي. ولاحظ في كتابه أنه في تسجيل كانون الأول 2001 الذي بارك فيه اعتداءات 11 أيلول، كان يرتدي خاتماً ذهبياً، وهو أمر يتناقض مع الوهابية، واستنتج أن الرسائل مزيفة، وبطريقة غير جيدة أيضاً. أما الـ«سي آي إيه»، فقد عدّتها جميعاً حقيقية.
ويقول كوديفيلا في استنتاجاته إنه بغضّ النظر عما حصل لـ «الزعيم»، فمن المؤكد أن ذاك الفتى السعودي المدلل الذي تحول نحو الأصولية لم يعد له وجود. ذاك الذي يظهر في الشرائط مختلف: هو سيد الرعب العالمي، يملك تأثيراً لا يمكن تفسيره، وكائناً من كان يقوم بصناعة الرسائل، فهو يدّعي بأنه يملك قوة أكبر بكثير مما ادعى بن لادن أنه يملكها.
فبن لادن الحقيقي، كما يقول كوديفيلا، كما التنظيم الذي يتزعمه، لم يكن مهماً بقدر ما أرادت تقارير الاستخبارات السعودية أن تخبر الـ«سي آي إيه» به. ودوره في أفغانستان اقتصر على جمع بعض المال، أما رجاله، فنادراً ما قاتلوا، وبطريقة سيئة أيضاً «في الحرب ضد السوفيات. أفغاني واحد كان بعشرات العرب».
ويقول كوديفيلا إن «الاستخبارات بقيت على تصنيفه وتنظيمه بأخطر وأوضح تهديد للولايات المتحدة، ولم تقل كيف ذلك، بل أكدت أن الزعيم معزول عن المنظمة التي يقودها في مكان ما في باكستان». ويتوصل إلى أن الحرب على الإرهاب والمنظمات الإرهابية ما هي في الواقع إلا شكل جديد من الحروب بين الدول بطريقة غير مباشرة، كل منظمة هي ذراع لدولة خارجية تقوم بحرب بالإنابة.
«الزعيم» العليل
في ظل تأرجح الأدلة عن موت أسامة بن لادن، هناك أمر مؤكّد وهو أن الرجل مريض، بحسب التقارير التي تتحدث عن صحته. ففي تقرير نُشر في مصر عام 1991، قيل إن زعيم «القاعدة» يعاني مشاكل صحية تمنعه من النوم نوماً متواصلاً، ويعاني انخفاض ضغط الدم والسكريّ، وهو ما يستوجب حقنه بجرعات أنسولين. وقالت وكالة الاستخبارات إنه يعاني تضخّماً في القلب وانخفاضاً مزمناً في ضغط الدم. وفي 1998، أوردت «أن بي سي» تقريراً قالت فيه إن بن لادن لديه أشهر قليلة وسيموت، لأنه يعاني مشاكل في القلب وربما سرطاناً.
لكن بعض الأطباء يرى أن «الزعيم» مصاب قليلاً بمرض «المراقي» (أي الوسوسة في المرض). ويشير من يحلّل صوره إلى أنه يعاني ربما ترقّق عظام ثانوياً، بسبب غسيل الكُلى الذي يجريه والمشاكل الكلويّة التي يعانيها.
البديل الموريتاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق