الاثنين، 9 مايو، 2011

سيرة قلب عبد الوهاب البياتي، تحولات عائشة...



فلسفة حب صوفي وسيرة عاشق عالمي نكشفها لكم في أدب اليوم "المعاصر" لتسليط حزمة من الضوء على رحلة الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي الذي دوّن هذه السيرة بكل تفاصيلها الصوفية ويوميات صباياه منذ أول طفلة بغدادية والى آخر عائشة مارست تحولاتها بين كلماته ورؤاه.. تأتي هذه السيرة في زمن الرماد لتنهض بقطافها الدانية من خلال مدونتكم "صوت الحق" وننهل جميعا من معين الادب العربي المعاصر مع اكبر الاجيال التي نهضت بالادب العربي الحديث ونترككم مع ريشة الكاتب والشاعر عبد الوهاب البياتي، ولنا في الحديث صفحة أخرى مع إحدى واحات هذا الأدب الساحر.
كان يراها في كل الأسفار
في كل المدن الأرضية بين الناس
ويناديها في كل الأسماء..

كانت عائشة جارتي في زمن الطفولة وكانت نوافذ بيتها تواجه نوافذ بيتي، طوال النهار كنت أنظر إليها وهي تنظر إليّ دون أن نتبادل الكلمات، مرت السنوات، كبرت عائشة وكبرت أنا أيضاً، ولكننا ظللنا صامتين من دون أن نتحدث.
أتذكرها الآن وكأنها تقف أمامي بوجه مدور وبعينين تشعان نوراً وأنا أقف مسحوراً أمامها أو أمام طيفها، لا أنام إلا لماماً وأتناول طعامي بسرعة لكي أعود فأطل عليها من النافذة، وعندما كان يقترب أحد من أهل بيتها ونحن نتبادل النظرات كنت أختفي بسرعة وقلبي يخفق.
ذات يوم قررت أسرتهاأن تنتقل إلى بيت آخر وهنا كانت الكارثة، وبالرغم من أن أسرتها إنتقلت إلى محلة لم تكن بعيدة عن محلتنا لكني بدأت أخاف السؤال أو الإقتراب من محلتها، فلقد كنت أشعر إنها منطقة محرمة عليّ وعندما كنت في الصف الأول الإبتدائي رأيتها ثانية في حالة من حالات تحولها - ربما لم تكن هي ولكنها كانت هي - وكنت أتبعها من بعيد وكانت تتلفت أحياناً فأختفي في أحد الأزقة الجانبية بينما كانت هي تمارس دلال الأنثى بالرغم من طفولتها المفرطة وكنت أرى إنها كانت تحس بأنها محبوبة وإن إنساناً يتبعها بلطف من دون أن يتدخل أو يدخل إلى دائرة طفولتها.
ثم عدنا نحن فإنتقلنا إلى بيت آخر وهكذا ضاعت عائشة مني ثانية فحاولت أن أدخل إلى دائرة سحر جديدة، إذ بدأت تستيقظ في داخلي قوة جديدة طاغية ولم أكن أعرف إنني دخلت في مرحلة المراهقة وعندما رأيتها بعد سنوات طويلة - وربما هي أو عائشة أخرى - وهي في الصف المنتهي، لم تعرفني أو تتذكرني لكن وجهها ظل يطاردني في كل مكان وكان قلبي لا يخفق لأية فتاة أو إمرأة إلا وتكون شبيهة لها.
وعندما تركت العراق في الخمسينات أخبرني صديق إنها قد ماتت - ولا أدري من منهن هي التي ماتت - وهكذا فإن روحها بدأت تحل في كل الأشياء وفي كل اللواتي أحببتهن في ما بعد وظلت هي تولد من خلالهن وهكذا كنت أشعر إنها لم تمت لأنها كانت تقوم من الموت بعد أن كنت أرش عليها ماء الحياة وأطعمها كسرة من الخبز التي هي مادة الديمومة وقوام الحياة الأبدية بالمعنى اللاهوتي والشعري، وبمرور السنوات تحولت عائشة إلى رمز إسطوري وواقعي وكوني وأبدي، ومن المفاجآت المذهلة إن عائشة عادت إلى الظهور بشكل حمامة أو إمرأة شابة رأيتها في (مهرجان الأمة الشعري في بغداد) من دون أن أكلّمها لأن دقات قلبي كادت تتوقف عندما رأيتها وكدت أهرب ولا أتذكر الآن هل إنني هربت أم ظللت واقفاً أمامها، هي تقف أمامي بوجهها الإسطوري الواقعي، وفي تلك اللحظات عادت دورة الحياة تدور بعد أن كنت قدمُتّ وتوقفت عن الكتابة لثلاث أو أربع سنوات، وكل ما أذكره الآن إنني قد صافحتها وعندما فتحت كفي وجدت 
قطرة دم أو قطرة ماء فأحسست إن حالة التحول الإسطوري في عائشة قد تمت.
ولا أزال أتساءل من أين جاءت قطرة الدم أو الماء هذه؟
إذ لم يكن هناك جرح في يدي أو يدها ولم تكن السماء تمطر منذ عودتي إلى الحياة وعودتها هي، وكانت تلك القطرة علامة العودة إلى طفولة الإنسان وطفولة الشعر.
وهكذا فإن عائشة في حالات تحولاتها نحو الأجمل والأفضل والأكمل قد إتحد رمزها الأرضي برمزها الآلهي ومنحتني بركاتها وأكلت خبز الحياة من يدها.
بعد تحقق صورة عائشة شعرت إنني قد وصلت إلى بوابة الحب الأعظم الذي كنت أسعى إليه طوال حياتي، عندما سقطت الشعارات وأشارت المرور والعلامات وإتحد الجميل والمخيف، الموت والحياة، النور والظلمة، النار والنور، وعائشة الأخيرة كانت هي الأجمل، ففي ظهورها إكتملت قصيدة الواقع والمثال، الرمز والإسطورة، المعنى والمبنى، موسيقى الأرض الوحشية وموسيقى السماء الملائكية، وعندما صافحت يدها من جديد أحسست بصاعقة سماوية خضراء أعادت الحياة لكل أشجار غاباتي الميتة وأعادت الدم إلى عروقي التي تيبست من كثرة الأسفار منها وإليها.
فعائشة الجديدة ولدت في بستان حروف إسمها ووجهها الملائكي الصغير يبدو في الواقع مثلما يبدو في المرآة.
روحها حاضرة حضوراً أبدياً في نظراتها وأطراف أناملها وفي شفتيها اللتين تقبلان الهواء والنور والماء.
كنت أواصل السير منذ أزمنة بعيدة لكي أصل إلى بوابة مملكتها، وكان وصولي وصول المؤمن إلى كعبة حبه والشاعر إلى معابد آلهته:
في آخر يوم، قبلت يديها
عينيها/ شفتيها
قلت لها أنتِ الآن
ناضجة مثل التفاحة
نصفك إمرأة
والنصف الآخر ليس له وصف
فالكلمات
تهرب مني
وأنا أهرب منها
وكلانا ينهار
لطفولة هذا الوجه القمحي
وهذا الجسد المشتعل الريان،
إبتهل الآن
وأقرب وجهي
من هذا النبع الدافق
في آخر يوم قلت لها
أنت حريق الغابات
وماء النهر
وسر النار
نصفك ليس له وصف
والنصف الآخر كاهنة في معبد عشتار.

كنت قد ذكرت في كتابي “تجربتي الشعرية” إنني بدأت أحاول منذ الستينات البحث عن جوهر الحياة وعن نقاط الضوء التي تشير إلى ما لا يموت، وكصدى لحياتي المتنقلة، المترحلة وفقداني المستمر إستطعت أن أخلق هذا الرمز كتعويذة أو كتمثال لكل ما فقدته في حياتي، ورأيت أن إسم عائشة يشير إلى الحياة نفسها كما إنه يقترب من إسم عشتار الآلهة السومرية البالية، الحبيبة والينبوع والرمز والواقع والمثال، كما إن رؤيتي المتسربلة ببعض الرؤى الصوفية/ اللاهوتية، لكن عائشة بقيت رمزاً وظلت نائمة في تابوت حروف إسمها تنتظر البرق والمطر ولمسة الكاهن ومبضع الطبيب والساحر لكي يعيد الحياة إلى هذا الرمز الذي يولد ويموت بإستمرار.
الغريب إن هذا الرمز عندما تكامل ونضج، تحول إلى واقع، أي إن عائشة الحية الواقعية أصبحت أقوى من رمزها، وأخذ الرمز يتراجع لكي يترك لنور عائشة أن يضيء ليل حياتي وكلماتي، وهذا يحدث لي لأول مرة بعد معاناة تضم كل صفات الرمز، 
وهي القداسة/ النور/ الينبوع/ النار/ المطر.
سأموت حباً تحت خيمتها
أعود إلى الطفولة راعياً غنم القبيلة
مثل هارون الرشيد
ملكاً وسلطاناً على أسراب مملكة القطا
وقبائل الأمطار في كل العصور.

كان هذا الإكتشاف، أو هذا الوجدان حدثاً جديداً في حياتي، فالرمز الآخر ظل يدور حول نفسه حتى كاد يفترس حياتي وفي مواجهة قداسة عائشة ونورها، بدأت مرحلة تجربتي الشعرية، وبهذا أضافت صفة جديدة إلى صفاتها وهي الديمومة والخلق والإبداع.
كان حبي لعائشة/ الرمز، حباً مفترساً لم يترك في صحراء حياتي سوى الأطلال العابسة وآثار أقدام طمستها الرمال في ذاكرتي.
كان يراها في كل عيون نساء المدن الأرضية بالأزهار مغطاة، وبأوراق الليمون الضارب للحمرة تعدو حافية تحت الأمطار، تشير إليه ورائي، يركض مجنوناً، يبكي سنوات المنفى وعذاب البحث الخائب عنها والترحال.
إرتبط إسم عائشة بذهني في اللونين، الأخضر والأزرق، وكلما رأيت هذين اللونين مجتمعين، يخفق قلبي وأتوقع إنها ستتجلى لي بعد خفائها، ولعل إرتباط هذين اللونين بعائشة هو إنني كنت في طفولتي، في زيارة أحد أعمامي، وفي ذات مساء وكان الفصل ربيعاً، فتحت عينّي فرأيت الدنيا كلها تتشح بهذين اللونين وكانت نافذة ليست بعيدة وكانت تطل منها فتاة ذات عينين واسعتين ووجه طفولي ملائكي فخفق قلبي لها وتذكرت عائشة، ثم لم يلبث أن هبط الظلام وإختفت الفتاة، وبعد إختفائها أصابني القلق والأرق ولم أنم ليلتين، ففكرت أن أشد الرحال وأعود إلى بغداد بصحبة والدي، وبعد عودتي بأيام قلائل جاءني النبأ الفاجع وهو إن إبن عمي الذي كنت في زيارته قد أطلق النار على نفسه منتحراً ببندقية والده، لأنه كان يحب هذه الفتاة الصبية التي أطلت عليّ من نافذة بيتها، وبدلاً من أن يخطبها والده إليه خطبها لنفسه.
هناك حادثة أخرى وقعت في فيينا عام1958 قبيل ثورة تموز في العراق، حيث كنت في زيارة لفيينا بدعوة من مجلس السلم العالمي لحضور مؤتمر كتاب العالم دعا إليه هذا المجلس، فأقمت بعد إنتهاء الدعوة في بانسيون، كانت جارتي في هذا البانسيون فتاة يوغسلافية تدرس الموسيقى في “كونسرت فوتوار فيينا” وكنت أحييها كل صباح على مائدة الإفطار وكانت تحييّني هي أيضاً، وذات يوم سألتني:
هل إنني عربي؟ فتسارعت دقات قلبي ولم أجب.
فإستغربت صمتي ثم نهضت وقالت: هل يمكن أن نلتقي في العاشرة مساء؟ فوافقت بإيماءة من رأسي، قضيت معظم النهار أتجول في شوارع فيينا أشبه بالمجنون فلقد كنت أحس إنني على موعد مع عائشة وليس مع هذه الفتاة اليوغسلافية، لأن الواحدة منهن حلت محل الأخرى أو إنها كانت عائشة في مرآة سحرية، وعندما حانت العاشرة. عدت إلى البانسيون وطرقت باب غرفتها، فلم يجب أحد فما كان مني إلا أن دفعت الباب الذي لم يكن مغلقاً فوجدتها نائمة كالموتى، فأصبت بالذعر وناديت صاحبة البانسيون فجاءت وحاولنا إيقاظها من دون جدوى، فإستدعينا الطبيب ثم ظهر إنها قد تناولت بعض العقاقير بكمية كبيرة، فنقلوها إلى المستشفى وظلت خمسة أيام في المستشفى فاقدة للوعي وفي اليوم الخامس ذهبت إلى المستشفى وأنا أحمل باقة من الزهور. فمنعتني إدارة المستشفى من رؤيتها بأمر من طبيب المستشفى وفي اليوم السادس علمت إنها لا تزال فاقدة الوعي، كما إن نقودي قد نفدت ولم يبق لي إلا مغادرة فيينا فكتبت لها رسالة قصيرة أودعتها عند صاحبة البانسيون وغادرت إلى موسكو وأنا أبكي، لا أعرف الآن ماذا حل بتلك الفتاة التي كانت تشبه عائشة أو هي عائشة بضفائرها ووجهها وعينيها السوداوين الواسعتين اللتين تذكران الناظر إليهما بالصحراء والقوافل وواحات النخيل.
قصيدة “حب تحت المطر” المنشورة في ديوان “قمر شيراز” تصور عائشة أخرى في أحد تحولاتها. وكان مسرح الحدث “لندن”، كانت آخر مرة رأيت فيها عائشة عندما كنت محرماً وأنا أطوف حول الكعبة لألثم الحجر الأسود ومرت بي الأيام وكانت السماء تنذر بالمطر، وبعد أيام أمطرت السماء ولكن عائشة كانت قد إختفت تاركة بضع كلمات تدور حول محور مجنون لا تحده الأقواس ولا تحجبه الأسوار العالية، وكان هذا إيذاناً بميلاد عالم جديد خارج قاعات الشعر ولصوص الثورات، وعبر الخدوش التي تركتها يدي على نافذة مغلقة، ثم قبلت يدها في نومي ورحلت لأنتظرها من جديد:
“عائشة إسمي قالت وأبي ملك إسطوري كان يحكم مملكة دمرها زلزال في الألف الثالث قبل الميلاد”.

بقلم : عبد الوهاب البياتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق